فخر الدين الرازي

303

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أجمعنا على أنه يجب غسله قبل نبات الشعر ، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا تسقط كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب وجب أيضا بعده . المسألة السادسة والعشرون : قال الشافعي رحمه اللَّه : يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة ، وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : لا يجب . لنا أن قوله تعالى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ يوجب غسل الوجه ، والوجه اسم للجلدة الممتدة من الجبهة إلى الذقن ، ترك العمل به عند كثافة اللحية عملا بقوله وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] وعند خفة اللحية لم يحصل هذا الحرج ، فكانت الآية دالة على وجوب غسله . المسألة السابعة والعشرون : هل يجب إمرار الماء على ما نزل من اللحية عن حد الوجه وعلى الخارج منها إلى الأذنين عرضا ؟ للشافعي رحمه اللَّه فيه قولان : أحدهما : أنه يجب . والثاني : أنه لا يجب ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والمزني . حجة الشافعي رحمه اللَّه أنا توافقنا على أن في اللحية الكثيفة لا يجب إيصال الماء إلى منابت الشعور وهي الجلد ، وإنما أسقطنا هذا التكليف لأنا أقمنا ظاهر اللحية مقام جلدة الوجه في كونه وجها ، وإذا كان ظاهر اللحية يسمى وجها والوجه يجب غسله بالتمام بدليل قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لزم بحكم هذا الدليل إيصال الماء إلى ظاهر جميع اللحية . المسألة الثامنة والعشرون : لو نبت للمرأة لحية يجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت تلك اللحية كثيفة ، وذلك لأن ظاهر الآية يدل على وجوب غسل الوجه ، والوجه عبارة عن الجلدة الممتدة من مبدأ الجبهة إلى منتهى الذقن ، تركنا العمل به في حق الرجال دفعا للحرج ، ولحية المرأة نادرة فتبقى على الأصل . واعلم أنه يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع : العنفقة ، والحاجبان والشاربان ، والعذاران ، وأهداب العينين ، لأن قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ يدل على وجوب غسل كل جلد الوجه ، ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعا للحرج ، وهذه الشعور خفيفة فلا حرج في إيصال الماء إلى الجلدة ، فوجب أن تبقى على الأصل . المسألة التاسعة والعشرون : قال الشعبي : ما أقبل من الأذن معدود من الوجه فيجب غسله مع الوجه ، وما أدبر منه فهو معدود من الرأس فيمسح ، وعندنا الأذن ليست البتة من الوجه إذ الوجه ما به المواجهة ، والأذن ليست كذلك . المسألة الثلاثون : قال الجمهور : غسل اليدين إلى المرفقين واجب معهما ، وقال مالك وزفر رحمهما اللَّه : لا يجب غسل المرفقين ، وهذا الخلاف حاصل أيضا في قوله وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ حجة زفر أن كلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية ، وما يجعل غاية للحكم يكون خارجا عنه كما في قوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] فوجب أن لا يجب غسل المرفقين . والجواب من وجهين : الأول : أن حد الشيء قد يكون منفصلا عن المحدود بمقطع محسوس ، وهاهنا يكون الحد خارجا عن المحدود ، وهو كقوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فإن النهار منفصل عن الليل انفصالا محسوسا لأن انفصال النور عن الظلمة محسوس ، وقد لا يكون كذلك كقولك : بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف ، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس .